الشيخ محمد رشيد رضا

183

الوحي المحمدي

6 - منع التقليد والجمود على اتباع الآباء والجدود : كل ما نزل من الآيات في مدح العلم وفضله واليقين فيه واستقلال العقل والفكر وحرية الوجدان ، والمطالبة بالبرهان ، وذم اتباع الظن والحرص فيما يطلب فيه الإيمان والعلم - يدل على ذم التقليد ، وقد ورد في ذمه النعي على أهله آيات كثيرة كقوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ [ البقرة : 170 ] ، وقوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ [ المائدة : 104 ] ، ذمهم من ناحيتين ؛ ( إحداهما ) : الجمود على ما كان عليه آباؤهم والاكتفاء به عن الترقي في العلم والعمل ، وليس هذا من شأن الإنسان الحي العاقل فإن الحياة تقتضى النمو والتوليد ، والعقل يطلب المزيد والتجديد . ( والثانية ) : أنهم باتباعهم لآبائهم قد فقدوا مزية البشر في التمييز بين الحق والباطل ، والخير والشر ، والحسن والقبيح ، بطريق العقل والعلم وطريق الاهتداء في العمل ، ويؤيده قوله تعالى : وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [ الأعراف : 28 ] ، وقال اللّه تعالى في عبادة العرب للملائكة : وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ( 20 ) أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ( 21 ) بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ ( 22 ) وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ [ الزخرف : 20 - 23 ] ، وتراجع الشواهد على هذا في قصة إبراهيم مع قومه في سورة الأنبياء والشعراء والصافات . فالقرآن قد جاء يهدى جميع متّبعى الملل والأديان السابقة إلى استعمال عقولهم مع ضمائرهم للوصول إلى العلم والهدى والاطمئنان في الدين ، وألا يكتفوا بما كان عليه آباؤهم وأجدادهم من ذلك ، فإن هذا جناية على الفطرة البشرية والعقل والفكر والقلب التي امتاز بها البشر ، وبهذا العلم والهدى امتاز الإسلام ودخل فيه العقلاء من جميع الأمم أفواجا ، ثم نكث المسلمون على رؤوسهم إلا قليلا منهم ، واتبعوا سنن من قبلهم من أهل الكتاب وغيرهم في التقليد لآبائهم ومشايخهم المنسوبين إلى بعض أئمة علمائهم الذين نهوهم عن التقليد ولم يأمروهم به ، فأبطلوا بذلك حجّة اللّه تعالى على الأمم التي وكل اللّه